علي محمد علي دخيل
593
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
من الملائكة والسماوات والأرض إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ معناه : انهم ان قالوا نحن أشد فأعلمهم ان اللّه خلقهم من طين فكيف صاروا أشد قوة منهم ، والمراد ان آدم خلقه اللّه من طين وان هؤلاء نسله وذريته فكأنهم منه . قال ابن عباس : اللازب الملتصق من الطين الحر الجيد بَلْ عَجِبْتَ يا محمد من تكذيبهم إياك وَيَسْخَرُونَ أي يهزءون بدعائك إياهم إلى اللّه ، والنظر في دلائله وآياته وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ أي وإذا خوّفوا باللّه ووعظوا بالقرآن لا ينتفعون بذلك ولا يتعظون به وَإِذا رَأَوْا آيَةً من آيات اللّه ومعجزة مثل انشقاق القمر وغيرها يَسْتَسْخِرُونَ أي يستهزءون ويقولون : هذا عمل السحر ، وسخر واستسخر بمعنى واحد ، وقيل معناه : يستدعي بعضهم بعضا إلى إظهار السخرية ، وقيل معناه : يعتقدونه سخرية ، كما تقول : استقبحه ، أي اعتقده قبيحا ، واستحسنه ، أي اعتقده حسنا وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ أي وقالوا لتلك الآية ما هذا إلّا سحر ظاهر وتمويه أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ بعد ذلك ومحشورون ، أي كيف نبعث بعد ما صرنا ترابا ! أَ وَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ الذين تقدّمونا بهذه الصفة ، أي أو يبعث آباؤنا بعد ما صاروا ترابا ؟ يعنون ان هذا لا يكون . ثم قال سبحانه لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم قُلْ لهم نَعَمْ تبعثون وَأَنْتُمْ داخِرُونَ صاغرون أشد الصغار . ثم ذكر ان بعثهم يقع بزجرة واحدة فقال فَإِنَّما هِيَ أي فإنما قصة البعث زَجْرَةٌ واحِدَةٌ أي صيحة واحدة من إسرافيل ، يعني نفخة البعث ، والزجرة : الصرفة عن الشيء بالمخافة ، فكأنّهم زجروا عن الحال التي هم فيها إلى الحشر فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ معناه : فإذا هم احياء ينتظرون ما ينزل بهم من عذاب اللّه وَقالُوا أي ويقولون معترفين على نفوسهم بالعصيان يا وَيْلَنا من العذاب وهي كلمة يقولها القائل عند الوقوع في الهلكة ومثله : يا حسرتنا ، ينادون مثل هذه الأشياء على وجه التنبيه على عظم الحال هذا يَوْمُ الدِّينِ أي يوم الحساب ، والمراد انهم اعترفوا بالحق خاضعين نادمين . 21 - 30 - ثم اخبر سبحانه عن حالهم أيضا فقال هذا يَوْمُ الْفَصْلِ بين الخلائق والحكم ، وتمييز الحق من الباطل على وجه يظهر لجميعهم الحال فيه ، وذلك بأن يدخل المطيع الجنة على وجه الإكرام ، ويدخل العاصي النار على وجه الإهانة الَّذِي كُنْتُمْ يا معشر الكفار بِهِ تُكَذِّبُونَ وهذا كلام بعضهم لبعض ، ثم حكى سبحانه ما يقوله للملائكة بأن قال احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بارتكاب المعاصي ، أي اجمعوهم من كل جهة وَأَزْواجَهُمْ أي وأزواجهم المشركات وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ إنّما عبّر عن ذلك بالهداية من حيث كان بدلا من الهداية إلى الجنة كقوله : فبشّرهم بعذاب أليم ، من حيث إن هذه البشارة وقعت لهم بدلا من البشارة بالنعيم وَقِفُوهُمْ أي قفوا هؤلاء الكفار واحبسوهم عن دخول النار إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ عن أعمالهم وخطاياهم ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ أي لا تتناصرون ، وهذا على وجه التوبيخ والتبكيت ، أي ما لكم لا ينصر بعضكم بعضا في دفع العذاب ؟ والتقدير : ما لكم غير متناصرين . ثم بيّن سبحانه انهم لا يقدرون على التناصر فقال بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ أي منقادون خاضعون ، ومعنى الاستسلام : أن يلقي بيده غير منازع فيما يراد منه وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ هذا اخبار منه سبحانه ان كل واحد منهم يقبل على صاحبه الذي أغواه فيقول له على وجه التأنيب والتعنيف : لم غرّرتني ؟ ويقول ذلك له : لم قبلت منّي ؟ قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي يقول الكفار لغواتهم : انكم كنتم تأتوننا من جهة النصيحة واليمن